الشيخ محمد آصف المحسني
200
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
عدمه ووقوع الضلالة . ثمّ أجاب هو عن هذه العويصة بأنّ عمر فهم من كلامه ( ص ) أمن الكلّ ، يعني لا تسري الضلالة إلى كلّكم لا أنّه لا يضلّ أحد منكم أصلًا فإنّ ضلال البعض معلوم الوقوع بإخباره ( ص ) وقد علم من آيات الكتاب كقوله تعالى : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ . . . لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ) « 1 » وقوله : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ . . . ) « 2 » أنّ عدم ضلالة الكلّ حاصل بدون ذلك الكتاب الذي أراد ( ص ) أن يكتبه . هذا ملخّص كلامه . أقول : ونتيجة ذلك أنّ ردّ عمر كان أحسن من أمره ( ص ) بإحضار الكتاب الذي اهتمّ به النبيّ الأكرم في آخر عمره ، ونسبة النبيّ إلى الهجر والهذيان جائزة مباحة ! ولا أحد من المسلمين يقبل هذا ، والرواية نفسها أيضاً تبطل هذا الاعتذار وأمثاله ؛ فإنّ قوله ( ص ) : « قوموا عني » . دليل على سخطه وغضبه ( ص ) عليهم ، وعصيانهم أمره وإلّا لاستحسن كلامهم واستصوب رأيهم ، ولم يأمرهم بخروجهم من البيت . ثمّ لو فرضنا أنّ الأمر كما زعمتم ، فهلا يمكن لعمر أن يبيّن للنّبي ( ص ) حسن عدم الكتابة ! ويعتذر عن إحضار الكتاب ؟ حتّى تفوّه بما يقشعّر منه الجلود ، ويستوجب حطّ مقام الرسالة ، وجرأة أهل الجحود ، وحزن أهل الإيمان ، وبكاء ابن عباس . وكأنّه لم يسمع أو نسي قوله تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً « 3 » . ولمن أنصف من نفسه ورفض العصبيّة والعناد يظهر غاية الظهور أنّ المراد هو أن جميع الأمّة من الضلالة أو معظمها ؛ إذ أمن البعض كان معلوم الوقوع له ( ص ) بلا كتابة الكتاب المذكور ؛ وهو ( ص ) أعلم وأعرف بحكمة فعله ، ومسير أمّته ، وطريق هدايتهم وضلالهم ، وأكثر إحاطة بكتاب الله وآياته من كلّ أحد . فالصحيح الذي لا يختلج الباطل دونه ترك أمثال هذه الاعتذارات الباردة الباطلة التي تمسّ بكرامة خاتم الأنبياء ( ص ) بل الواجب أن نبحث عن ثبوت توبة هؤلاء المتفوّهين حتّى يزول عنهم الإرتداد ، وننسيهم إلى الإسلام ؛ إذ فيهم مثل عمر وهو من مشاهير الأصحاب . واعلم أنّك إذا أخذتك الفطانة ولا حظت قوله ( ص ) : « إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما أن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً » تعرف أنّ هذا الكتاب الذي أراد ( ص ) كتابته لئلّا يضلّ
--> ( 1 ) - النور 24 / 55 . ( 2 ) - آل عمران 3 / 110 . ( 3 ) - الأحزاب 33 / 36 .